إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي

765

الغارات

يجعل لي منهم فرجا عاجلا ، فوالله لولا طمعي عند لقائي عدوي في الشهادة وتوطيني نفسي على المنية لأحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا ولا التقي بهم أبدا ) . قال ابن أبي الحديد في شرح الكتاب ما نصه ( ج 4 ، ص 54 - 55 ) : ( أنظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها وتملكه زمامها ، واعجب لهذه الألفاظ المنصوبة يتلو بعضها بعضا كيف تواتيه وتطاوعه سلسة سهلة تتدفق من غير تعسف ولا تكلف حتى انتهى إلى آخر الفصل فقال : يوما واحدا ، ولا التقى بهم أبدا . وأنت وغيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة جاءت القرائن والفواصل تارة مرفوعة ، وتارة مجرورة ، وتارة منصوبة ، فإن أرادوا قسرها بإعراب واحد ظهر منها في التكلف أثر بين وعلامة واضحة ، وهذا الصنف من البيان أحد أنواع الاعجاز في القرآن ، ذكره عبد القاهر قال : أنظر إلى سورة النساء وبعدها سورة المائدة ، الأولى منصوبة الفواصل ، والثانية ليس فيها منصوب أصلا ، ولو مزجت إحدى السورتين بالأخرى لم تمتزجا وظهر أثر التركيب والتأليف بينهما ، ثم إن فواصل كل واحدة منهما تنساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا الصناعة التكلفية . ثم انظر إلى الصفات والموصوفات في هذا الفصل كيف قال : ( ولدا ناصحا ، وعاملا كادحا ، وسيفا قاطعا ، وركنا دافعا ) لو قال : ولدا كادحا وعاملا ناصحا وكذلك ما بعده لما كان صوابا ولا في الموقع واقعا فسبحان الله من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة ؟ ! أن يكون غلام من أبناء عرب مكة ينشأ بين أهله لم يخالط الحكماء وخرج أعرف بالحكمة ودقائق العلوم الإلهية من أفلاطون وأرسطو ، ولم يعاشر أرباب الحكم الخلقية والآداب النفسانية لأن قريشا لم يكن أحد منهم مشهورا بمثل ذلك وخرج أعرف بهذا الباب من سقراط ، ولم يرب بين الشجعان لأن أهل مكة كانوا ذوي تجارة ولم يكونوا ذوي حرب وخرج أشجع من كل بشر مشى على الأرض ، قيل لخلف الأحمر : أيما أشجع ؟ عنبسة وبسطام أم علي بن - أبي طالب ؟ - فقال : إنما يذكر عنبسة وبسطام مع البشر والناس ، لامع من يرتفع عن